السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
63
مختصر الميزان في تفسير القرآن
مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام / 75 ) . قوله تعالى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ قيل : المراد بالسماء جهة العلو فإن كل ما علاك وأظلّك فهو سماء لغة ، والمراد بالرزق المطر الذي ينزله اللّه على الأرض فيخرج به أنواع ما يقتاتونه ويلبسونه وينتفعون به وقد قال تعالى : وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ( الجاثية / 5 ) ، فسمّى المطر رزقا فالمراد بالرزق سببه أو بتقدير مضاف أي سبب رزقكم . ويمكن أن يكون المراد به عالم الغيب فإن الأشياء ومنها الأرزاق تنزل من عند اللّه سبحانه وقد صرّح بذلك في أشياء كقوله تعالى : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ( الزمر / 6 ) ، وقوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ( الحديد / 25 ) ، وقوله على نحو العموم : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر / 21 ) ، والمراد بالرزق كل ما ينتفع به الإنسان في بقائه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومنكح وولد وعلم وقوة وغير ذلك . وقوله : وَما تُوعَدُونَ عطف على « رِزْقُكُمْ » الظاهر أن المراد به الجنة لقوله : تعالى : عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( النجم / 15 ) ، وقوله بعضهم : إن المراد به الجنة والنار أو الثواب والعقاب لا يلائمه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ( الأعراف / 40 ) . نعم تكرر في القرآن نسبة نزول العذاب الدنيوي إلى السماء كقوله : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ ( البقرة / 59 ) ، وغير ذلك . قوله تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ النطق التكلم وضمير « إِنَّهُ » راجع إلى ما ذكر من كون الرزق وما توعدون في السماء والحق هو الثابت المحتوم في القضاء الإلهي دون أن يكون أمرا تبعيا أو اتفاقيا .